ليته كان رجلًا

ريم أبو الفضل

 

 

 

 ريم ابو الفضل:-
 
“أكلتُ الحنظل، وذقتُ الصبر، فلم أرّ شيئًا أمّر من الفقر..فإذا افتقرتَ فلا تحدث به الناس كى لا ينتقصوك”
كانت هذه كلمات لقمان الحكيم لابنه
ولم يرض الإمام” على” كرم الله وجه وجهه أن يكون قاتلًا إلا ليقتل الفقر حين قال” لو كان الفقر رجلًا لقتلته”
فالفقر إن عددناه مرضًا فهو مرض خبيث يفتك بالجسد حتى الموت..وإن عددناه آفة فهو آفة تضرب بالمجتمع كله إن أصابت فيه فئة
انتشار الفقر فى العالم بالرغم من ثرواته  لا يعبر إلا عن فشل من يقطنون به، واستئثار طبقة بأغلب الثروات عن الطبقات الأخرى
عدم تكافؤ الفرص ، التفرقة بين الناس نتيجة العنصرية الجغرافية، والعنصرية البشرية، والسلطة القمعية التى لا تهتم بأى مشاريع تنموية ولا تسعى لسد حاجات شعبها، وليس لديها همًا إلا بقائها على الكرسى
كل هذه العوامل لا تُخّلف إلا فقرًا يقتاته البسطاء، ولا تقضى على فقر يتوارثه الفقراء

ما أصدقه “العقاد” حين قال
“وليس فى وسع أحد أن يزعم أن ميزان المجتمع سليم من الخلل فى توزيع الأرزاق، أو تقدير المكافآت على حسب الجهود..ففى كل أمة أغنياء لا يستحقون الغنى، وفقراء لا يستحقون الفقر”

فالخيرات فى العالم بأكمله تتوفر أكثر من حاجة البشرية لها، ولكن احتكار هذه الخيرات على فئة قليلة من سكان العالم على حساب الشعوب الأخرى، أو بالأحرى المجتمعات النامية هو ما يجعل مشكلة الفقر أزلية ، ولا نتمكن إلا من وضع حلول نسبية لها وليست جذرية
لا يمكن أن نطالب بالحرية والديمقراطية والكرامة قبل أن تتحقق العدالة فى أن يجد الفقير حياة تليق بآدميته ، فالحل لا يكمن فى تسكين الألم ، ولكن فى علاجه

يعيش فى العالم أكثر 2,2 مليار شخص يعانون حالة فقر ، وبالتالى جهل ومرض .. قد لا يكون الفقر دليلًا على عدم وجود الثروات، إنما هو دليل لافتقار الطرق والوسائل التى تتم بواسطتها التنمية كما فى دول العالم الثالث
 
فى عام 1987 قام “جوزيف فريزنسكى” بعمل مبادرة أسماها”اليوم العالمى لمكافحة الفقر” وقد اجتمع مع أشخاص ينتمون إلى طبقات اجتماعية مختلفة فى ساحة “تروكادير” فى باريس وافتتح لوحة خصصت لتكريم ضحايا الفقر المدقع كنُصب تذكارى لضحايا الفقر
وفى عام 1992 اعترفت الأمم المتحدة رسميًا بهذا اليوم
وخُصص يوم 17 أكتوبر من كل عام كمناسبة لمكافحة الفقر، تُتاح فيه الفرصة لكل الذى يعيشون حياة صعبة من التعبير عن ظروفهم المأساوية التى يعيشونها، ويعبرون عن معاناتهم اليومية ، كما يصرحون فيه عن الأمنيات التى يحلمون بها ، ويتضامن فيه غير الفقراء مع الفقراء من أجل التعبير عن رفضهم للفقر والبؤس
 
اليوم العالمى لمكافحة الفقر ليس حلًا..وعلى مدى التاريخ عجز القادة والثوريون عن حل مشكلة الفقر
فالاشتراكيون مع تفاوت نظرياتهم حتى النظرية الماركسية التى دعت إلى النضال الطبقى من أجل حقوق العمال والفلاحين لم ينجحوا فى تطبيق تلك النظريات
حتى وإن أيقنوا من استغلال الإقطاعيين والرأسماليين للفقراء والمحتاجين ..بل أن تطبيق النظرية من خلال عمليات التحول الاشتراكية قد أفرز عددًا من قيادات الحزب قد اغتنوا على حساب الشعب
أما المجتمعات ذات الصبغة الإسلامية فلم تخل أيضا من ظاهرة الفقر بالرغم من حث الدين على الزكاة والصدقة ولم يتعامل الغنى مع الفقير من منطق عمر بن الخطاب “إذا أعطيتم فأغنوا” ولا من قول على بن أبى طالب” إن الله فرض على الأغنياء فى أموالهم بقدر ما يكفى فقراءهم”
بالرغم من وجود نظريات وضعية وتشريعات إلهية يظل الفقراء كما هم  يعانون المرض حتى الموت، والجوع حد الجريمة، ويظل الحقد الطبقى كسوس ينخر فى جسد المجتمع
فالعولمة قد حوّلت فتات ما يقتات عليه الفقراء إلى موائد الأغنياء كما قال “جورج سورس” وقد وصف العولمة بأنها أدت إلى انتقال رؤوس الأموال من الأطراف إلى المركز..أى من الدول النامية إلى الدول الغربية
لن يتم القضاء عل الفقر طالما أن..
 
النظريات الاشتراكية حوّلت الفقراء لنظريات فشل فى تطبيقها القيادات
والدين حوّل التشريعات إلى مواعظ تحث الفقراء على الصبر، وتستجدى من الأغنياء واجباتهم نحو الفقراء
الحكومات حوّلت الشعوب إلى أفراد جائعة تدور فى رحى البحث عن لقمة العيش لتتفرغ هى للنهب والسلب
الجغرافيا التى وضعها الاستعمار حالت دون تعاون اقتصادى بين البلدان العربية التى ينتشر فيها الفقر بأعلى معدلاته
والتبعية الاقتصادية للدول الصناعية الكبرى التى يتم فيها استغلال ثروات العالم الإسلامى والعربى بكامل إرادته
ويظل الفقير منبوذّا .. متهمًا بالحقد والضغينة تجاه الأغنياء..يرتكب جريمة سرقة رغيف الخبز..ويُحاكم..ويُترك الجانى الحقيقى
لا تلوموا الفقراء على فقرهم، والجياع على جوعهم، والمحرومين على فاقتهم،
 بل اقتلوا الجانى… واتركوا الضحية
 
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق