الإرهاب «الداعشي»

جمال علي

جمال على

الاستراتيجية المستجدة التي أفصح عنها الرئيس الأميركي والساعية إلى قيادة حلف دولي- إقليمي لمحاربة الإرهاب «الداعشي» حمّالة أوجه ومثيرة للجدل على غير صعيد. ومن المتوقع أن يسفر لقاء وزراء خارجية عدد من الدول العربية والإسلامية والغربية في جدة عن مجاراة للخطة الأميركية لمحاربة «داعش»، وإن كان الأمر يتطلب بعض الوقت كما قال باراك أوباما.

وتقضي الخـــطة بتوجيه ضربات جوية الى قـــوات «داعش» في العراق وإرسال حوالى خمسمئة مستشار عسكري أميركي لمساندة القوات الحكومية العراقية وقوات «البيشمركة» الكردية. وتستبعد الخطة أي تعاون علني مع النظام السوري وإيران، بل أعلن أوباما إمكانية استهداف «داعش» في سورية واستعداد بلاده لزيادة الدعم العسكري للمعارضة السورية المعتدلة ولتدريب عناصرها.

المشروع الحربي الذي تسعى الخطة الأميركية الى تسويقه خارج الأمم المتحدة يولد الانطباع بأن رؤوس «الداعشيين» وصورتهم قد أينعت وحان قطافها، وأن أميركا هي الأَوْلى بتخليص البشرية من همجية «داعش».

والحال أنه لا يمكن الفصل بين الاستراتيجية الأميركية ذات الطابع الخلاصي أو المخلّص وبين الصورة التي استقر عليها تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام». هذه الصورة الصارخة في مشهديتها الوحشية والثقيلة الوطأة على مخيلة قطاعات عريضة من الرأي العام في كل مكان تقريباً، هي صورة الأخطبوط أو التنين الجهادي التكفيري المعولم والمقوِّض لكل ما عرفناه من بنى وطنية وأنسجة اجتماعية. يجدر القول إن هذه الصورة لم ترتسم على نحو فاقع ومنتفخ إلا في أعقاب استيلاء «داعش» على الموصل، ولجوئه إلى استعراض فنون في القتل والاضطهاد والترحيل والتنكيل بكل من يخالفه.

قبل اكتساح «داعش» للموصل واكتشاف العالم بالصوت والصورة لاضطهاد المسيحيين والإيزيديين، كانت أفعال التنظيم الغامض التكوين والنمو والانتشار، محل تقديرات متضاربة وملتبسة. في كل الأحوال جاء انتشار «داعش» واكتساحه مناطق في سورية والعراق، بعد معارك مع كل تشكيلات المعارضة السورية المسلحة وفي مقدمها «جبهة النصرة» ذات الأيديولوجيا القاعدية المنافسة والمشابهة في آن، بمثابة تتويج لعملية انهيار الإطار الوطني للأزمة السورية وترجمة لحال التفسخ في البُنى الوطنية وتحلل المجتمع إلى وحداته الأهلية الأولية، القائمة على القرابة والمذهب والطائفة والمحلّة.

في هذا المعنى، كان «داعش» ولا يزال تعبيراً كاشفاً عن هشاشة البناء الوطني وهشاشة التشكل السياسي لمجتمع تعتمل في أحشائه نوازع العصبيات الأهلية الضيقة، الواعدة بنزاعات على النفوذ والمكانة والغلبة. وساهم الاستبداد الفئوي والاستئثار السلطوي لدى النخبة الحاكمة ومحاسيبها في حقن النوازع الأهلية بجرعات من العنف المثقل بالتشفي والنبذ والانتقام من وضاعة قسرية ومفروضة.

والحق أن «الربيع العربي» حفل، من بين أشياء أخرى كثيرة، بواحدة من أكبر خدع التاريخ. فقد بدا أن لغة الاحتجاج العصرية المستخدمة في البيئات الاجتماعية الحديثة ضد الظلم والاستبداد والتسلط كانت، لدى كثير من القوى وليس كلها، قناعاً يحجب نوازع أهلية لا تقل سلطوية وعنفاً عن الأنظمة السلطانية التي جرى الانتفاض عليها وتبديل رؤوسها. بين الكلمات والأشياء تاريخ من سوء الفهم والتداول. وينطبق هذا على كل بلدان «الربيع العربي»، وإن كانت تونس مؤهلة لأن تحتل مكاناً على حدة، من دون أن يعفيها بالكامل من أخطار التصدع والتمزق اللذين يضخّان ويقذفان في وجوهنا صور نزاعات لا أفق لها، كما الحال في ليبيا واليمن وسورية والعراق، وعلى نحو مختلف بعض الشيء في مصر.

في أوضاع مضطربة من هذا النوع حيث يجـــري ارتجال الشرعية وتلفيقها، تزدهر ســوق السجال والقراءات أو التفسيرات السهلة والمريحة، وفي مقدمها نظريات وسيناريوات المؤامرة الصانعة للفتن. ولا يعني هذا أن القوى الدولية الساعية إلى السيطرة أو القوى الإقليمية الطامحة إلى تعزيز النفوذ، لا تطبخ مشاريع وخططاً في الغرف المغلقة… بل يعني أن فهم السياسة ومسارح صراعاتها في زمن يتسم بالتعقيد والتركيب، ما زال أسير مخيلة سلطانية تعتبر أن الظواهر الناشئة هي من قبيل مكائد البلاطات والأيدي الخفية.

والحال أن مثال «داعش» لا يشذ عن هذا الأمــر، بل قد يكون حالة نموذجية عن ولادة ظاهــــرة عنفية مسلحة وتناميها وسط فراغات هـــائلة يلفها الغموض. واللافت أن يجد العالم نفــسه فجأة حيال تنظيم فاجأ الجميع بقوته وهمجيته. تجري الأمور كما لو أن «داعش» نيزك ارتطم بالأرض أو كائنات قفزت قفزاً من كتب ونصوص لا يقرأها أحد، وتريد إنشاء مملكة أسطورية لا يريدها أحد من المعاصرين. تكاد هذه المفارقة وحدها تكفي للدلالة إلى زيغ التغطيات الإعلامية والبحثية الزاعمة التدقيق في أصغر الظواهر وأقلها شأناً… ما يعزز الاعتقاد بأن «داعش» يشكل حاجة لقوى أكبر منه، تتطلع إلى استعماله ليس كأداة مطواعة بل كخطر يجري إهماله إلى حين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق