معركة تحرير ليبيا إلي أين ! أخطر 3 أسرار وراء الصراع بين “الجلباب والبندقية” في بلاد “عمر المختار”
أحمد فوزي سالم:-
منذ رحيل القذافى وليبيا تشكل ثغرة أمنية في غاية الخطورة لجميع جيرانها وخاصة مصر، والتي كانت من أكثر الدول تعبيرا عن قلقها من التوتر الدائر بين أبناء عمر المختار، وبالرغم من جرعات التفاؤل التي سرت منذ تاريخ انطلاق “عملية كرامة ليبيا” العسكرية، والتي أعلن القيام بها ـ بقايا الجيش الليبي النظامي ـ بقيادة اللواء خليفة حفتر، وذلك بغرض القضاء على الجماعات “الإرهابية” التى أشاعت الرعب، وتبنت فكرة التقسيم لبلاد ـ دفعت من دمائها الكثير لتنال استقلالها وحرياتها من المستعمر الإيطالي الذي حاول كثيرا اشاعة الفرقة، بين الطوائف الليبية المختلفة أيام الاجداد ـ ولم يستطيع ـ ثم جاء الأحفاد ليحققوا بسهولة ما فشل فيه الاستعمار بكل جبروته مع جيل الكبار !
ونشر معهد الدراسات الإستراتيجية العربية، دراسة حول الأوضاع الليبية، وخلص الى أن القبائل الليبية تتراوح في مواقفها بين الدعم الضمني و الحياد ،حتى وصلت حرائق الصراع إلى شوارع العاصمة طرابلس و مطارها الدولي و بلغ الأمر حد إعلان فصائل جهادية عن “إمارة إسلامية ” في عاصمة الشرق بنغازي .و تردت الأوضاع الإنسانية و تفاقم عدد النازحين في الداخل و الخارج ،كما أصبحت البلاد تواجه شبح العزلة عن العالم، بعد أن قررت أغلب البعثات الدبلوماسية إغلاق سفاراتها و الخروج من ليبيا، إما هربا من الموت خطفا، أو إغتيالا أو برصاص الميليشيات التي لاتفرق الصالح من الطالح .
الصورة باتت قاتمة تمام، هكذا وصف التقرير الأحوال الليبية، مؤكدا أن المشهد أصبح معدوم الهوية، لا تفهم أو تعرف ما الذي يمكن أن يحدث، خاصة وأننا أصبحنا نشاهد تحركات قبلية على المستوى السياسي و العسكري، وبالتحديد بعد إعلان الحكومة الليبية عن طلبها للتدخل الخارجي، حال استمرت الأوضاع على ماهي عليه .
فيما أعطت نتائج الانتخابات النيابية دافعا كبيراً للعديد من القبائل و القوى الاجتماعية الليبية، لتحديد موقفها من أطراف الصراع، في أعقاب الفشل الذريع الذي منيت به الأحزاب الإسلامية و على رأسها جماعة الإخوان المسلمين في مقابل تقدم كبير للقوى المدنية و الليبرالية .
1 ـ عملية الكرامة .. الأمل في استعاده “وحدة مزعومة”
سارعت العديد من القوى القبلية الليبية إلى دعم عملية الكرامة، ظنا منها أن دعمها ودعم أهدافها يواجه الإرهاب، ويقضي على التنظيمات المتطرفة، وتراوحت أشكال الدعم ما بين دعم سياسي و شعبي و دعم عسكري، و مشاركة ميدانية تمثلت أساسا في مشاركة كتائب “الصواعق” و “القعقاع” التابعة لقبيلة الزنتان “غرب” في المواجهات المسلحة مع الميليشيات الإسلامية المتطرفة، وأخر المواجهات “معركة مطار طرابلس الدولي”.
والمعركة الأخيرة كانت ضارية إلى أبعد الحدود فالميليشيات الإسلامية قد ألقت بثقلها فيها، نظراً لحساسية الموقع كمنفذ جوي حيوي و طبيعة الخصم فالهدف كان “كسر شوكة حليف قوي للواء خليفة حفتر”.
ولحسم المعركة عمدت قبيلة الزنتان إلى مد جسور التواصل مع قبائل ليبية أخرى ذات شأن بالرغم من ولائها السابق للعقيد الراحل معمر القذافي و كسبها إلى جانبها في المعركة، فأطلقت سراح العشرات من أبناء هذه القبائل ممن كانوا يقبعون في سجونها باعتبارهم محسوبين على النظام السابق، لعل أبرزهم العميد تنتوش الذي يعتبر من أهم القيادات العسكرية في نظام القذافي .
ويعتبر الإفراج عن تنتوش رسالة ايجابية من الزنتان إلى قبيلة ورشفانة ستساعد على تجاوز الماضي وبناء تحالف قبلي جديد لدعم قوات الجيش الليبي التي تتعرض لهجوم غرفة ثوار ليبيا والميلشيات المسلحة بهدف أخراج القوات المحسوبة على الزنتان من العاصمة طرابلس وخاصة من مطار طرابلس الدولي ومحيطه.
في المقابل دعمت هذه القبائل قوات الجيش الليبي و قوات قبيلة الزنتان عسكريا في معركة المطار، واستطاعت قطع العديد من طرق الدعم اللوجيستي للمليشيات الإسلامية في محيط العاصمة طرابلس.
وقد انضمت كتيبة من لواء ورشفانة – أكبر القبائل العربية الليبية القريبة من العاصمة طرابلس – إلى معركة طرابلس كما يطلق عليها ، كما انضم إلى قوات الجيش الليبي ممثل فى لوائي القعقاع والمدني وكتيبة الصواعق متطوعون من عشرات القبائل منها ، الرحبان ، ورشفانة ، النوائل ، العجيلات ، التبو والطوارق ، القنطرار ، ورفله ، ترهونه ، الفرجان ، الصيعان ، الأصابعة، والماشية ، المقارحة ، القذاذفة ، الجعافرة ، قماطة ، القواليش ، أولاد إبريك ، وأولاد أبوسيف ، أم الجرسان والغنائمة.
و في هذا السياق تمكنت قوات عسكرية تابعة للواء ورشفانة رفقة مُتطوّعين آخرين من بقية القبائل بالمنطقة، من السيطرة على “مُعسكر الـ 27″ غرب العاصمة طرابلس،التابع لغرفة عمليات ثوار ليبيا، تحت إمرة شعبان هدية الملقب بـ” أبو عبيدة الزاوي” ـ و هو فصيل إسلامي متشدد.
وبحسب تقرير البحوث العربية، كان مجلس القبائل الليبية، قد أصدر في الأول من أغسطس 2014 الجاري بيانا دعا فيه “جميع أفراد القوات المسلحة الليبية باستلام السلاح الموجود بحوزة المليشيات والكتائب والدروع الخارجة عن القانون وعودة الشرطة والقضاء إلى تحمل مسئولياتهم والعودة إلى أعمالهم، مؤكدا أنه في حالة الاستجابة لهذا النداء سيصبح أبناء الشعب الليبي شركاء في معركة واحدة لبناء الوطن وتقديم طرحا جديدا يتجاوز هذا الواقع المزري والمهين إلى واقع جديد يبعث الأمل في النفوس ويضمن الحرية في إطار الاستقرار الأمني للجميع.
وأكد التقرير أن أحمد قذاف الدم، منسق العلاقات الليبية المصرية السابق، وابن عم الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، كشف عن أن القبائل الليبية الكبيرة والتي تشكل 70% من الشعب اجتمعت في منطقة على تخوم طرابلس، وشكلت قيادة جديدة سيعلن عنها قريبا لقيادة ليبيا في المرحلة المقبلة.
بما يعني أن المحطات السياسية القادمة في ليبيا سيكون للقبائل دور كبير فيها بعد “خمول” دام أكثر من ثلاث سنوات أثر سلبا على الوضع السياسي و الاجتماعي للبلاد في بلد مازال للقبيلة فيه دور مركزي اعتمدت عليه كل النظم السابقة من الملكية و حتى جماهيرية العقيد الراحل.
2 ـ البرلمان الجديد .. الإخوان “خارج الصورة”
واستمراراً لمسلسل الخسائر الصادمة لجماعة الإخوان في ميادين السياسة، كما في الوضع الميداني، وكالعادة تجر معها في نفس الطريق جميع تيارات الإسلام السياسي، تعيش القوى الإسلامية بقيادة جماعة الإخوان المسلمين في ليبيا تقهقرا على المستوى السياسي و الشعبي بطريقة غير مسبوقة .
فبعد أن كانت تسيطر على الأغلبية في المؤتمر الوطني العام بما جعلها تمرر العديد من القوانين والتعيينات السيادية في الدولة، أخفقت القوى الإسلامية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة التي جرت في شهر يوليو 2014 الماضي، حيث لم تحصل إلا على 23 مقعدًا من أصل 188 مقعدًا فيما حازت القوى الليبرالية و المدنية إلى جانب المستقلين على الأغلبية النيابية داخل البرلمان ما سيعطيها شرعية أقوى كانت تفتقدها في الماضي، بما سينعكس على تصور شكل الدولة “المدنية” و مؤسساتها في المستقبل !
وبالرغم من ذلك ـ لم يعترف الإسلاميون بالهزيمة، كما رفضوا الاعتراف بالقرارات الصادرة عن البرلمان الجديد، مستغلين في ذلك “فجوة قانونية شكلية” فبعد أن قرار مجلس النواب الانعقاد في مدينة طبرق “شرق البلاد” برر الإخوان مقاطعته، بحجة أن الإعلان الدستوري والتعديلات التي أجراها المؤتمر الوطني العام “البرلمان السابق”، نصت على أن مدينة بنغازي هي المقر الرسمي لمجلس النواب، فيما اعتمد المجلس النيابي الجديد على استشارة من وزير الداخلية المكلف صالح مازق، الذي أكد أن مدينتي طرابلس وبنغازي غير آمنتين لانعقاد جلسات مجلس النواب
وفيما بعد تبين أن الأسباب الحقيقية التي تكمن خلف الرفض “الاخواني” للبرلمان الجديد هي خسارة الجماعة و أحلافها “الجهادية” لمناخ الفوضى المغذي لحركة السيطرة التي تنتهجها على مؤسسات الدولة ، فالقرارات التي اتخذها المجلس في أيامه الأولى، كفيلة وحدها بتحجيم سطوة الميليشيات والمجاميع المسلحة الخارجة عن كيان الدولة ، فضلا عن تمتع المجلس بدعم دولي و إقليمي كبير، وضع الإخوان في حرج ومن خلفهم حلفهم الإقليمي ـ تركيا قطر ـ .
وشملت القرارات الجديدة، حل جميع التشكيلات المسلحة المشرعنة من قبل المؤتمر الوطني العام ” البرلمان السابق المسيطر عليه اخوانيا”، وإلغاء جميع التكليفات التي صدرت سابقًا من رئيس المؤتمر، و تكليف اللجنة القانونية لصياغة مقترح قانون إلغاء هذه التشكيلات، تمهيدًا لعرضها في أقرب وقت على مجلس النواب للتصويت عليها.
وخلص النواب الجديد إلي التصويت على قرار يجيز تدخل الأمم المتحدة من أجل حماية المدنيين والمؤسسات في مواجهة الميليشيات، والذين صوتوا كانوا كالأتي .
ـ القوى الداعمة للبرلمان الجديدـ القوى الرافضة للبرلمان الجديد
ـ التيار الليبراليـ التيار الإسلامي
ـ تحالف القوى الوطنيةـ حزب العدالة و البناء “ذراع جماعة الإخوان”
ـ قبائل الزنتان “غرب البلاد”هيئة علماء ليبيا
ـ كتيبة القعقاع “فصيل قبلي “المجلس الأعلى للثوار “ميليشيا إخوانية”
ـ كتيبة الصواعق ” فصيل قبلي”غرفة عمليات ثوار ليبيا “ميليشيا إخوانية”
ـ قوات “عملية الكرامة” “الجيش النظامي”مجلس شورى ثوار بنغازي “ميليشيا جهادية”
ـ لواء ورشفانة “فصيل قبلي – دعم ضمني”قوات درع ليبيا ” ميليشيا جهوية مصراته”
3 ـ غموض الصراع بين الإسلاميين والعسكر
مع تصاعد وتيرة الصراع و ما يخلفه من ضحايا في صفوف المدنيين و من خسائر كبيرة للدولة كما حدث في مطار طرابلس الدولي الذي تحول أثرا بعد عين خلال أيام قليلة ،تتزايد الحاجة إلى تدخل كل القوى الإقليمية و الدولية الفاعلة (الجامعة العربية ،دول الجوار،الأمم المتحدة،الاتحاد الأوروبي،الولايات المتحدة) من أجل أن يجلس الفرقاء إلى طاولة الحوار ،أو يصار إلى مؤتمر جامع يتفق فيه الليبيون على شكل الدولة و دستورها و على كل النقاط الخلافية العالقة على قاعدة “الإرادة الشعبية” دون أن يتخلف طرف عن الاعتراف بهذه الإرادة في حال الهزيمة كما فعلت جماعة الإخوان المسلمين في الاستحقاق الانتخابي الأخير.
غير أن الحسم بالحوار ليس كافيا في “المسألة الليبية” فهناك قوى لا تعترف باللعبة الديمقراطية أصلا، ولا بالدولة المدنية و لا بــ “الأخر السياسي و الفكري و الثقافي” هذه القوى الجهادية – الإرهابية لن يحسم معها الصراع إلا في الميدان خاصة وإنها أصبحت تهديد حقيقي لجيران ليبيا في مصر و تونس و الجزائر و “مركزا إقليميا للنشاط الإرهابي” و الحسم يتطلب مساعدة السلطة المركزية الليبية على :
ـ إعادة بناء القوات المسلحة و بناء جهاز خاصة بمكافحة الإرهاب.
ـ مزيد التنسيق الأمني و العسكري والاستخبارات مع دول الإقليم (مصر، تونس،الجزائر.. )
ـ إصدار قوانين و تشريعات تخص مكافحة الإرهاب و تمويله و غسيل الأموال .
ـ إعادة بناء جهاز الشرطة الليبية و تقديم تدريب ميداني و معلوماتي يتماشى و التغيرات الحاصلة على المستوى العالمي (تكنولوجيا و نظريا..).
ـ توحيد المؤسسات الدينية و تجريم منابر التكفير و الفتنة الإعلامية و التعليمية و تنظيم المساجد.
ـ مراقبة التمويل الأجنبي للأحزاب و الجمعيات خاصة من طرف قوى إقليمية متخصصة في دعم الإرهاب في المنطقة .
إلى جانب هذه النقاط ،على السلطة السياسية الجديدة في ليبيا دعم و تبني “عملية الكرامة” التي أطلقها اللواء خليفة حفتر فهي تتقاطع كليا مع هدف الدولة المركزي في بسط سلطتها على البلاد و نزع سلاح المليشيات و إعادة هيبة الدولة و فرض الأمن.
و كان معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، المقرب من الدوائر الحاكمة، قد دعا في ورقة له نشرت الشهر الحالي إلى إقامة حوار سياسي بين اللواء حفتر، و “مجلس النواب” من أجل بلوغ ثلاثة أهداف هي:
– تأكيد دعم اللواء حفتر للعملية الديمقراطية التي أضعفتها تهديداته السابقة بحلّ “المؤتمر الوطني العام” .
– تشجيع حفتر على التخفيف من حدة خطاباته ضد الأحزاب السياسية الإسلامية التي جمع فيها كافة عناصر التطرف الإسلامي، وبالتالي قد يسهم في إنهاء مقاطعتها لـ “مجلس النواب”.
– التوفيق في النهاية بين قوات اللواء حفتر، التي تتكون بشكل رئيسي من عناصر الجيش والشرطة، وبين “مجلس النواب” وشرعيته الحديثة.




