اخلاق للبيع
مصطفى محمود:-
غريب جدا ما تعيشه المحروسة , فأقصى ما يتمناه رفقاء هذا الوطن هو ان يعيشوا فى أمن وسلام ، ويريد المحترمون ايضا أن تعود الأخلاق الحميدة الطيبة التى اعتاد عليها المصريون … يقول الدكتور عبد الغفار مكارى فى كتابه ” جذور الإستبداد ..قراءة فى أدب قديم” يقول: ” ماذا يفعل الإنسان عندما يجد أن القيم قد فقدت قيمتها، بعد أن كانت حية و مؤثرة على عهد الأجداد والأسلاف ؟ وكيف يتصرف وهو يرى حضارته المأزومة تتحشرج فى صدرها الأنفاس الأخيرة، و يتزاحم عليها النمل و السوس الذى ينخر فى اصلها و جذورها ، و الجراد الذى يلتهم الخضرة من فروعها و أوراقها، فلا تملك الطيور المبدعة الا ان تهجر الأعشاش التى بنتها و تأوى – بائسة أو مترفعة – الى حزنها وصمتها . وعندما ينظر الإنسان الذى تحول الى شاهد أمين على زمنه و اهله .. فيهوله الإضطراب و الخلل فى كل شيىء و يفزعه خلو الساحة لعقارب الخسة و الغدر ، و كلاب السلب و النهب ، وقرود الإنتهازية و الوصولية أيبقى أمامه إلا أن يصرخ ويحذر و ينذر ، أو يسقط فى الهاوية التى تتعطل فيها إرادة الحياة و تُشَلُ القدرة على الإختيار و المبادرة و الفعل الحر؟ و هل نعجب عندئذ حين نجده غارقا فى القنوط و التشاؤم ، أوسادرا فى العبث و السخرية ’ أو فاتحا ذراعيه لإحتضان الموت الذى يتلمس فيه المعنى الأخير بعد أن غاب المعنى عن كل شيىء؟
ذلك هو مضمون النص المذهل المحير الذى انحدر الينا من بابل القديمة ( نحو الألف الأول قبل الميلاد.).
إذن تظل قضية الأخلاق و سمو المعنى و البعد عن الإنحطاط الفكرى الذى اصبح صاحب اليد الطولى فى كثير من التعاملات فى مصر ، قضية منذ زمن بعيد و مع إختلاف الزمان تظل القضية قائمة وتظل المعضلة مطلة برأسها عبر سنوات بعيدة يعيشها الإنسان بشكل عام. أما و اننا قد وضعنا ايدينا على الجرح و عرفنا القضية لماذا نبقى مصريين على ما نحن فيه من انفلات أخلاقى و انفلات عقائدى و انفلات فى كل شىء . كنا فى زمن الإخوان نتحدث عن سلبيات كثيرة جدا حدثت ، وقرارات كثيرة جدا لم تعجب المصريين لذلك ثارو و اسقطوا الإخوان .. نعم هذا ما حدث ’ والآن ما هو الجديد ؟!! هل توقف الإنحطاط الفكرى ؟هل تغيرت الأفلام ؟ هل تبدلت الثقافة من ثقافة االلاعقلى الى السمو بالعقل والروح والفكر؟!! على كلٍ ، المشكلة مازالت تكمن فى الطبيعة الأخلاقية للمصريين … انها ازمات أخلاقية وقد ترتقى لأن تكون ازمات نفسية. بهذا المعنى
انا لا اعنى كلمة أخلاقيات بالمعنى السلبى بل أعنى أنه جُبِلَ على هذا. فالناس حائرون يفكرون يتسائلون فى جنون.. مصرنا اين تكون ومتى تكون و كيف تكون؟ .. و الناس أيضا يقولون لم يختلف الأمر كثيرا عن زمن الإخوان ولا زمن مبارك، فهم لا يشعرون بشىء ايجابى على الأرض – هذا ما يقال فى الشارع – فما زال البلطجية منتشرين وما زالت المياة مقطوعة عن المنازل و كذلك الكهرباء .. اضافة الى ازدحام الطرق و الإختناقات المرورية التى اصبحت معضلة.. وغيره و غيره… ويبقى الحديث مستمرا عن اخلاقيات يجب ان تتحسن .. اخلاقيات الشارع اخلاقيات المواطن و اخلاقيات الحكومات و اخلاقيات الشباب و الكبار و الأطفال فلا نريد ان نسمع عن محسوبية ولا وساطة ولا نريد ان نرى رشوة ولا كذب ولا نفاق نريد ان نعيش كبشر محترمين وسط شعوب تحترمنا و تقدرنا كمصريين .. نعم نحن لسنا ملائكة ولكننا ايضا لسنا شياطين . نريد ان نحافظ على النيل ونظافة الشارع .. نريد ان نفكر بعقولنا وليس بعضلاتنا نريد ان نكون امنين مطمئنين فى اوطاننا. و اتمنى ايضا ان يكون المعنى قد وصل لكل من ينافق وكل من يتلاعب بمقدرات الوطن الذى بات عاجزا يحتاج الى المساعدة من ابناءه. والأبناء لا يستطيعون مساعدة انفسهم حتى يساعدوا الوطن فهذا ينضم الى داعش لغباءه ويأسه وهذا يجلس فى الطرقات لا يهتم الا بالمخدرات وذلك يكتب ويحاول التغيير ولا يجد من يقرأ وهكذا دائما ما نجد ان الدائرة لا تريد أن تكتمل من أجل البناء السليم. فمتى تعود الأخلاق ونعود اليها وان كانت تشترى لأشتريناها حتى نعود الى رشدنا.
